الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
342
نفحات الولاية
الشرح والتفسير القسم على إعادة الأموال المغصوبة كما يفهم من مضمون الخطبة فانّها وردت في بداية الخلافة الظاهرية لأمير المؤمنين علي عليه السلام . وقال ابن أبي الحديد إنّ هذه الخطبة ذكرها الكلبي مروية مرفوعة إلى أبي صالح عن ابن عباس رحمه الله أنّ علياً عليه السلام خطبها في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة . والحق أنّ هذه الكلمات كانت كالماء البارد الذي سكب على ألسنة اللهب والنار المتقدة في صدور الامّة ؛ فقد سادت السكينة والهدوء قلوب أولئك الذين كانوا يأنون من انعدام العدالة على زمن عثمان إلى جانب أولئك الذين شعروا بها جس القلق على النظام الإسلامي وقوانينه الحقة ، فاستبشروا بعودة الإسلام الأصيل والحكومة الإسلامية التي كانت تتطلع لها الفطرة الإسلامية ، ولولا هذه السياسة التي أعلنها الإمام عليه السلام بهذه العبارات لما هدأت المدينة ولتكررت هجمات أبناء الامّة على دار عثمان ولسفكت الدماء واهدرت الأموال . فقد إستهل الإمام عليه السلام كلامه بالقسم بارجاع كافة الأموال التي نهبت من بيت المال مهما فعل بها « واللَّه لو وجدته قد تزوج به النساء ، ملك به الإماء ، لرددته » . ثم أضاف عليه السلام مذكرا بأنّ إجراء العدالة قد يثير غضب البعض إلّا أنّ ذلك خطأ فادح ، لأن العدل أساس راحة المجتمع ومن ضاق صدره من العدل فانّه سيكون أضيق إذا ماساد الجور والظلم « فان في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق » . فقد بيّن الإمام عليه السلام في البداية عزمه الراسخ على إعادة الأموال التي اخذت ظلماً وعدواناً من بيت المال وإن تزوج بتلك الأموال أو تملك بها الإماء ، فلابدّ أن تعاد إلى بيت مال المسلمين ، لتعلم الامّة بأنّ القانون الذي سادها سابقاً لم يكن قانون الإسلام فهو ليس النموذج الإسلامي الذي يحتذى به في المسيرة السياسية . ثم عزز هذا العزم بالمنطق والدليل « فانّ في العدل سعة » . وأخيراً يعرض بالنصح لُاولئك الذين مد أيديهم إلى بيت المال وظنوا بأنّ عزم الإمام عليه السلام هذا سيتضمن ضررهم ، في أنّ الأمر بالعكس سيكون بنفعهم ؛ لأن من ضاق عليه العدل فالظلم عليه أضيق ، فالعدالة تمنحه الأموال الحلال ولا تسلبه سوى الأموال المحرمة اللامشروعة ، ولكن إذا لم يستجب للعدل وعاش الظلم والجور ، فانّه سيخاطر بجميع أمواله المحللة منهاالمحرمة . صحيح أنّ الظلم ممكن أن يجر نفعاً على الظالم خلال مدّة قصيرة ، إلّاأنّه